LEBANON ::

كارمن ملكي

نبع العرعار ولاتين بعبدات

19/04/2009

لبنان

وقعت في بعبدات بين العام 1890 والعام 1892، خلافات حول توزيع مياه نبع البلدة المعروف بنبع العرعار. وكانت قاعدة التوزيع في البلدة تتم ليس فقط على الارزاق كما هي العادة في القرى الأخرى انما على الاعناق ايضا، اذ ينال نصيبه من المياه كل ذكر بلغ الثامنة عشرة من عمره. وشهدت تلك الفترة ازدهار تجارة وصناعة البعض في القرية، لا سيما آل لحود، فراحت تتوسع املاكهم وارزاقهم وتزداد حاجتهم في المياه فحاولوا الحصول على المزيد منها بطرق مختلفة، منها عبر تحويل المياه الى المعامل في غير مواعيدها المتفق عليها، مثيرة المشاكل والخلافات بين المسؤولين عن المعامل من جهة وبين الناطور والاهلين. هنا بدات الخلافات السياسية والعائلية تلعب دورها فاصطدم آل لحود بالفريق الذي كان يعارض زيادة حصتهم من المياه والذي اتهمهم بمحاولة اعادة توزيع المياه على الارزاق دون الاعناق بغية استقطاب العدد الاكبر من الاهالي ضدهم فانقسم الاهالي بين مؤيد ومعارض.

وسرعان ما انتقل موضوع الخلاف حول مياه العرعار الى المحكمة المدنية والى راعي ابرشية بيروت المارونية، المطران يوسف الدبس الذي اجرى محاولات صلح بين الفريقين، غير انه اتهم بالانحياز الى احد الافرقاء واصبح هدفا لسهام الناقمين من الفريق المناوئ.

وتزايدت حدة الصراع الى أن وصل الى البطريرك الماروني يوحنا الحاج والى القصادة الرسوليّة في بيروت والى رجال دين موارنة. لكن الخلافات والتناقضات في المواقف بين رجال الدين انفسهم، لاسيما بين المطران الدبس والاب يوسف عواد امين سر القصادة الرسولية الذي تدخل لصالح الفريق المعترض لآل لحود لم تحل المشكلة بل زادتها تفاقما وغذت الاحقاد فاقيمت الدعاوى والدعاوى المضادة امام القضاء المدني في اثناء عهد القائمقام رشيد الخازن، المنحاز بدوره لآل لحود.

تجاه هذا الانحياز، تجمع المعترضون باعداد كبيرة، نساء ورجالا واطفالا امام مركز القائماقمية في برمانا وعلى راسهم اربعة كهنة، مطالبين بحقوقهم. ولكن سرعان ما احتدم الجدال بينهم و بين القائمقام والحراس فصار شتم وضرب واهانات وأوقف البعض وعاد الباقون.

الأمر الذي دفع بالفريق المعارض الى طلب الخروج من الطائفة المارونية الى طائفة اخرى كي لا يكونوا تحت سلطة المطران يوسف الدبس الذي لم يصغ اليهم ولم يعاملهم بانصاف.

لكنّ الكنيسة الكاثوليكيّة بشكل عام لا تسمح اتتقال الكاثوليك الى طائفة كاثوليكية أخرى فعمد هؤلاء الى اعتناق البروتستانتيّة، وبالتحديد المرتعدين “الكويكرز”، ليس تنكرا للكثلكة بل بقصد الضغط على السلطات الدينيّة المارونيّة واللاتينيّة كي تؤيد مواقفهم ضدّ خصومهم.

إلتزم المنشقون البروتستنتيّة من 28 شباط 1892 حتى 5 كانون الثاني 1893، تاريخ اعتناقهم الطقس اللاتيني، بموجب أمر الحبر الأعظم لاوون الثالث عشر الذي لم يشأ ان يخرج رعايا بعبدات من حضن روما، فجاء موفد القاصد الرسوليّ، الراهب الكبّوشي اندريه دي ليونيسّا الى بعبدات، وجمع البروتستانت في كنيسة مار جريس المارونية، وحلّهم من الحرم الذي وقعوا فيه، كونهم اعتنقوا البروتستنتيّة، وعادوا من جديد الى أحضان الكنسية الكاثوليكية في الطائفة اللاتينيّة، وكان عددهم 711 من أصل 1110 بعبداتييّن (أي ما يقارب ثلثي أهل البلدة).

وهكذا دخلت الرهبنة الكبوشية بعبدات وارجعت الناقمين الى حضن الكثلكة فخفت حدة التوترات ومارست الرهبنة خدمة اللاتين الجدد لمدة سبع سنوات (1893 و 1900) في كنيسة مار جريس المارونية بانتظار انجاز بناء دير وكنيسة على اسم القديس انطونيوس البدواني، وقد دشنت العام 1900 فتميزت خدمتها بالاعتدال والانفتاح وادخلت الى القرية الطقوس اللاتينية الفرنسية الى جانب الطقس العربي ونشطت في خدمة اللاتين والموارنة معا دون تمييز.

وفتحت مدرسة للاناث والذكور التحق بها البعبداتيون من مختلف الطوائف، واستعان الكبوشيون براهبات البزنسون لمساعدتهم في التعليم منذ سنة 1906 ثم فتحت الراهبات مدرسة مستقلة بعد عامين وهي لا تزال ناشطة حتى اليوم.

تجدر الاشارة الى ان بعض المعترضين عادوا الى مذهبهم الماروني وبقيت قاعدة توزيع المياه على الارزاق والاعناق معا معتمدة في بعبدات حتى أيامنا هذه وان هناك فريقا من اللاتين اليوم ينادي بالعودة الى المارونية التراث

0 Comments

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *