LEBANON ::

حازم الأمين

العجوز التي لم أشف من مقتلها

22/03/2009

صحافي، لبنان

Much thanks to Ramzi Haidar for the photographs


الطريق بين بناية البرج ومستشفى عساف في عبرا (شرق مدينة صيدا) هي نفسها الطريق التي كنت اسلكها يومياً في السابعة صباحاً ذاهباً في حافلة المدرسة إلى مغدوشة. لكن في ذلك اليوم عبرتها مقاتلاً وليس تلميذاً. لم يفصل بين حالي كتلميذ وحالي كمقاتل سوى أيامٍ قليلة. لم أعد أذكر نهائياً حال الطريق والمباني ومحال البقالين على جانبي هذه الطريق عندما عبرتها في شاحنة الحزب. ربما نقلنا بشاحنة مقفلة ،أو كان الليل حالكا فلم أبصر شيئا. ما أذكره انني بينما كانت الشاحنة تصعد بنا كنت متنازعاً بين مشاعر مختلفة. منها خوفي من ذلك المسخ الذي أصبحته والذي خرج فجأةً مقاتلاً بعدما كنت مستغرقاً في طفولة رافقتني حتى سنوات شبابي الأولى . شعرت وأنا صاعد إلى الشاحنة انني انتهك عالماً وبيتاً وشارعاً رسمته في ذاكرتي وداخلي رحلتي اليومية إلى المدرسة. كان لي على هذه الطريق بيوت زملاء ورفاق دراسة كثر. وأن أمر بها مقاتلاً في حرب نزح في اثنائها جميع السكان يعني أن منازل اصدقائي ومكتباتهم وغرفهم وحتى ملابسهم وجميع اشيائهم الحميمة أمست في متناولي. لا أدري لماذا لا تفارقني خلال اقامتي في هذا الشارع مقاتلاً صورتا ابي ومدير المدرسة.

المنزل الذي اختاره الحزب لاقامتنا المؤقتة ريثما نكمل صعودنا في إتجاه كفرفالوس هو تماماً خلف المبنى الذي يقيم فيه زميلاي في المدرسة فاتن ومازن. كان المنزل من طبقتين. وكان علينا وسط القصف العنيف أن نترجل من الشاحنة وأن ننهال على الأبواب لنفتحها وندخل. لم يكن قد مضى على إنسحاب عناصر “القوات اللبنانية” من المنطقة أكثر من نصف ساعة وكانت المدفعية تؤمن غطاء من القصف العنيف لانسحابهم لذا توجب علينا تحطيم الأبواب في أقصى سرعة ممكنة والاختباء في المنزل. لم اتمكن من إستعمال قوتي كلها لخلع الباب الخلفي الخشبي. كنت وحدي من الجهة الخلفية ولكنني ما أن ادفع جسمي في إتجاه الباب حتى أخفف من غير أن أشعر من اندفاعته وكان صوت ارتطامه بالباب وسط الصمت الذي يفصل قذيفة عن أخرى يزيد من وحشتي وخوفي المهانة التي كنت أشعر فيها كلما تخيلتني أعود إلى رفاقي في المدرسة وقد فعلت ما فعلت. كان لخلع الباب تأثير علي يفوق تأثير تلك الرصاصات وحتى القذائف التي اطلقتها وصحبي والتي لم نرى أين اصابت ومن. كان كسر الباب عملاً شاقاً وكان علي أن أقوم به ولكنني لم أوفق فعدت ودخلت من الباب الأمامي الذي نجح “الرفاق” في فتحه بعدما أطلقوا على قفله ما يفوق الثلاثين رصاصة.

بعد دخولنا المنزل، واضاءته ببعض الشموع، شارع “الرفاق” في التجوال في انحائه، ومناداة بعضهم بعضاً من الغرف شارحين ما وجدوا فيها، وما توافر من شروط الإقامة فيما جلست أنا في الصالون على كنبة لم اتمكن، بسبب العتمة وترددي في إضاءة شمعة من رؤية المكان. أبقيت بندقيتي بين قدمي وكأن دخولنا المنزل لن يدوم لأكثر من دقائق. المقعد تحتي كان صلباً ويداي شرعتا تتحسسان قماشه بحركات توتر وإنكماش. ففي الحرب يصبح المحاربون كالحشرات في استعمالهم حواسهم وأشد التصاكا بالأشياء التي يدوسونها أو يلمسونها. وفي الحرب أيضاً يفقد هولاء أي ميل أو حاجة لتبرير ما يفعلون. ومن يقع في هذا المأزق لن يكن محارباً ناجحاً. لا أدري لماذا شعرت في حينها أن حواسي وخصوصاً حاستي اللمس والشم قويتا بل تضخمتا واصبحتا في عتمة الغرفة سبيلي الوحيد إلى تحديد ملامح المكان.

الجميع شعر من اللحظة الاولى لدخولنا أن المنزل صار منزله. رحنا نتجول في غرفه مستكشفين ما فيه من اغراض ومحددين أماكن نومنا. قائد مجموعتنا اختار غرفة نوم الزوجين لمنامته. واقفلها بالمفتاح محذراً الجميع من دخولها. كانت تجربتي الاولى في إقتحام المنازل واحتلالها وكنت أعتقد فعلاً أن أهل المنزل سيعودون إليه بعد أقل من أسبوع وحاولت إعتراض أحدهم إذ شرع ينقل مقاعد الصالون إلى غرف داخلية.

الطعام في المطبخ ما زال ساخناً أي أن أصحاب المنزل لم يغادروه إلا قبل وقت قليل، هذا ما قاله أحد “الرفاق” الذي دخل إلى المطبخ وشارع يعد وليمة للمجموعة. الأمر أشعرني بمزيد من الاضطراب وقرب حقيقة إنتهاكي للمنزل من الواقع. فانفاس أصحاب المنزل ما زالت فيه وهم جيران مازن وفاتن اللذين أعبث معهما في المدرسة ويأتيان لزيارتي في المنزل. وربما كان لأصحاب المنزل علاقة بأهلهما وربما شاهدتني الزوجة لاحقاً عندما أزورهما وربما أيضاً عرفتني أنا الذي انتهكت منزلها. كل هذه الأفكار راودتني ولشدة سذاجتي قررت وأنا جالس على مقعدي إياه أن انقطع عن زيارة فاتن ومازن وأن أحصر علاقتي بهما في المدرسة. لم أكن أدري أن الحرب ستحرق المدرسة وأن فاتن ومازن وأصحاب المنزل لن يعودوا نهائيا وانني أفعل ما أفعل.

في الحرب تقوى غرائز المقاتلين ليست غريزة القتل كما هو شائع بل غرائز أولية وأساسية أكثر، فيمكنك عبر حاسة النظر ملامسة ما يقع عليه نظرك تقريباً. ليست هذه حساسية فائقة وانما لا يعود يفصل بينك وبين الأشياء التي أمامك حبال من التفكير والتبصر. أي انك عندما تنظر إلى الشيء لا يستدعي نظرك إليه تخيلات أخرى، ولا يمكنك أن تربط بين ما تنظر إليه وبين ما يستدعيه عادة من صور وتذكر. الشيء هو الشيء الذي أمامك ليس إلا، وعليك لكي تكون محارباً ناجحاً أن تنسى أن حياة أخرى كانت في هذا المنزل. وكان أطفال ورب منزل وزوجة.

ولذلك ربما، عندما قالوا لنا أن مقاتلاً من حزب “علماني” قتل عجوزاً في البيت المجاور لم تتمكن لسبب ما من الهرب، لم يكن لخبر القتل وقع قوي علينا. قتلها ليلاً من دون أن نسمع صوت الطلقة.

وقال محدثنا أنه، أي القاتل، وضع “مخدة” على رأسها والصق بها فوهة مسدسه وأطلق النار.إنه قتل محترف على ما يبدو. بلعنا هذا الخبر ولم نتكلم به جميعاً. بقي في حناجرنا على ما أرجح، وإكتشف معظمنا كم هو هاو. لم أر العجوز ولم أعرف ماذا حل بجثتها.

ولكن في الحرب أيضاً وعلى الجبهات، تسكت المدافع لأوقات طويلة، يعود فيها المرء إلى ما قبل تحوله مقاتلاً (والتعميم هنا مجازفة). وكان علي في تلك الأوقات، وكلما اعدت تأليف مشهد العجوز مقتولة في مخيلتي، أن اعيدها إلى مجرد جثة من دون أن يولد ذلك صورة لها مستغتية قبل ثوان من قتلها، أو صورة ابنائها الذين كانوا يعيشون معها، أو… لقد قتلت وهي الآن جثة، ويجب دفنها فقط. لكنني لم انجح في ذلك كثيراً، وكل ما نجحت فيه هو انني نسيت كثيراً من التفاصيل التي احاطت بهذا الأمر، ولا أدري إن كان نسياني فعلاً لا واعياً وضرورياً لتوازني النفسي. ولا أدري إن كان هذا التوازن أصلاً حاصلا ، وخصوصاً انني وما إن بدأت كتابة شهادتي هذه اكتشفت انني لم أشف من مشهد العجوز القتيلة، التي لم أرها أصلاً.

0 Comments

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *