LEBANON ::

محمد فريد مطر

إحذروا منتصف آذار

21/03/2009

نشكر دار النهار للسماح لنا بإعادة نشر هذا النص

(Extrait du livre “El Bourj” paru en 2000, © Editions Dar an-Nahar)


وبالفعل، فمنتصف شهر اذار كان يدعو الى الحذر لم سبقه وما لحقه من تصعيد. فبين ٨ و٢٤ اذار أصبح المشهد مألوفاً: حرب كر وفر يومية بين الطلبة والسلطة.

أدواتها ما تيسر من عصي وحجارة وأعمدة إشارات السير، بمواجهة هروات وغاز مسيل للدموع ومياه مضغوطة وأعقاب البنادق.

نبدأ بالتجمع في ساحة اليونسكو وصولاً من كلية الحقوق في الصنائع أو الجامعة الأميركية في بلس أو الجامعة العربية في الفكهاني. وننطلق من هناك سالكين شارع الحمراء وكورنيش المزرعة إلى ىساحة الشهداء ومنها إلى ساحة النجمة. وفي أحيان كثيرة كنا نتجمع في البربير ومنه إلى رياض الصلح فساحة النجمة أو الشهداء مروراً بالبسطة.

وكالنهر الدافق ترفده السواقي، كانت الثانويات (خصوصاً الانترناشونل كولدج والرمل الظريف وفخر الدين) ترفد التظاهرة، فما أن نصل إلى البرلمان أو ساحة الشهداء حتى نكون قد تضاعفنا وكما الحاضر، فللماضي ذاكرة صوت وذاكرة الصوت تستعيد: “رصوا الصفوف، رصوا الصفوف”. بالمقابل، قرقعة الجند واصطفافهم كان على صوت: “تأهب” و”خذ مكانك”.

ويرجع الصوت كهدير الصدى من الخلف. ألوف الطلاب تصرخ: “رصوا الصفوف”. أما نحن رؤساء الاتحادات والروابط الطلابية انذاك ممن يتقدمون المظاهرة فلطالما إكتنفنا شعور بالتسليم بما هو مقدر، والمقدر تلقي هراوات قوى الأمن نيابة عن الخطوط الخلفية. فالحشود من الخلف تدفع الصفوف الأمامية للمواجهة المحتومة والصفوف الأمامية تحاول يائسة أن تصد بظهورها هذا الدفع تأجيلاً “للقتلة” الوشيكة.

تضيق المسافة بين مقدمة التظاهرة وصفوف قوى الأمن المدججة والمرصوصة، وتأخذ ملامح هؤلاء تتضح تدريجاً فهاهو النقيب فتحي الحسن من مخفر حبيش ينتظرنا أمام مدخل ساحة الشهداء او البرلمان يرمقنا من وراء نظارتيه. والامر إياه بالنسبة لباقي رؤساء الاتحادات وسواهم من الناشطين: كل على علاقة معرفة وإلفة بآمر المخفر الذي تقع جامعته ضمن نطاقه لكثرة استدعائه أو توقيفه. غريبة فعلاً هذه الإلفة التي تنشأ بعد حين، إلفة الضارب والمضروب، الصياد والطريدة.

في المقدمة يتصدر حسن حبال واديب خليفة من جامعة بيروت العربية، وأنور الفطايري (رحمه الله) ونصير الأسعد وسعدالله مزرعاني وعصام خليفة وغيرهم من الجامعة اللبنانية، وميشال سماحة وإيلي قرداحي وشارل غوسطين من جامعة القديس يوسف، وأنا وفؤاد بوارشي ومحمد دجاني وإدي زنانيري وأحمد قمرالدين وغيرنا كثيرون من الجامعة الأميركية في بيروت.

شهدت تظاهرة ١٩ آذار ذروة التصعيد عندما أتى احدهم ليخبرني بأن “التروتسكيين” ينوون افتعال معركة، وبأنهم إستعدوا لذلك جيدا فاليافطات التي يرفعونها شدت إلى عواميد خشبية طويلة يستعملها الكشافة لنصب الخيام، وهو ما يعطيهم تفوقاً عند الالتحام مع قوى الأمن. بسؤاله نفى مسؤولهم جيلبير أشقر الأمر، ليدحض الواقع نفيه بعد دقائق معدودة فقط.

إذ فجأة أحسسنا بضغط هائل من الخلف لم نعد نستطيع دفعه بظهورنا. وإستعرت معركة نالت الصفوف الأمامية بنتيجتها القسط الأكبر من الضرب بالهروات وأعقاب البنادق. وكالعادة تفرقت التظاهرة من ساحة الشهداء لتتوزع تظاهرات صغيرة طيارة باتجاه اللعازارية وباب إدريس والمتروبول وغيرها وتحسباً للتظاهرات الطيارة التي طالما قضت مضجع السلطة، عمدت قوى الأمن إلى وضع صبغ أحمر في المياه التي كانت ترشها عبر خراطيم سيارات الاطفاء تسهيلاً لمعرفة الفارين “الحمر” ومطاردتهم.

تعود المظاهرات الطيارة إلى تشرين العام ١٩٦٩ وكانت تهدف إلى تشتيت قوى الأمن وارباكها بجبرها على توزيع قواها ما بين ساحة الشهداء والنجمة ورياض الصلح، هذه الساحات التي تظاهرت فيها أجيال سبقتنا وإنتمى إليها حبيب صادق وجبران مجدلاني وجهاد كرم ومنح الصلح وكريم بقرادوني والتي طالما شهدت مسيرات تدعو إلى إستقلال الجزائر وإطلاق جميلة بو حيرد أو تهتف لتحرير فلسطين مرددة: “فلسطين عربية وعلى الجماجم مبنية”.

ومن المناضلين الثوابت في التظاهرات الوطنية كما المطلبية انذاك سمير فرنجيه ونواف سلام والمرحومين كريم مجدلاني وأنطوان عبد النور، ومن المناضلات ريما خلف ودلال البزري وندية فريوة. ومن التظاهرات الثابتة إلى ساحة الشهداء تظاهرات وعد بلفور وتقسيم فلسطين السنويتان.. والتظاهر أيامنا إقتضى مواهب وتوزيع أدوار ومهام. فنديم المنلا مثلاً كان موهوباً في الفرار فلم يعتقل بتاتاً، وبخلافه فمحمود شريح كان دوماً طريدة سهلة… أما وليد نعمة فكان محترفاً في رشق الحجارة، في حين أن أنيس نقاش وسعود المولى كانا من “الهتيفة” ممن يحملون على الظهور لخفة وزنهم وقوة صوتهم في ترديد الشعارات إشتهر أحمد عبد اللطيف بيضون بصياغتها ووزنها مثل:

“نحن تظاهرنا بالسلم سحبوا علينا البارودي”
“قالوا للبدو يكسب علم العلم بكعب البارودي”
أو
“صوت الطالب بدو يسود رغم الدخنة والبارود”

وإن أنس فلا أنسى طلاب الثانويات الذين حشدوا دوماً أعداداً كبيرة من التلاميذ للتظاهرات كافة وعلى رأس هؤلاء كان رضا إسماعيل ومختار حيدر.

ومن الحوادث الطريفة يومذاك إطلاق إسم “سندريلا الحركة الطلابية” على نائب رئيس مجلس الطلبة في الجامعة الأميركية ربيع الأسير الذي فقد فردة حذائه خلال محاولته الهرب. وسرت الدعابة بأن مدير عام الأمن العام العميد أنطوان الداحداح وجد فردة الحذاء وقرر إكتشاف هوية صاحبها وملاحقته باعتبار أنها لا تناسب سوى قدم صاحبها.

على كل انتهت واقعة ١٩ اذار باعتقال كثيرين. وكالعادة، تداعينا للتظاهر في اليوم التالي لاطلاق سراحهم فتم اطلاقهم واعتقل اخرون، فتظاهرنا مجدداً لاطلاقهم. كانت سلسلة لا تنتهي، تغذي كل حلقة منها الاخرى بروتين يشبه توالي الليل والنهار.

فاتنا يومها أن العنف دوامة تغذي نفسها بنفسها. الحرب وحدها علمتنا هذه الامثولة المريرة. فكأن الانتفاضة الطلابية كانت نذيراً بما سيأتي، ولعل كسر دوامة الحرب يكون بشيراً بتحقيق ما كنا نبغيه

0 Comments

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *