LEBANON ::

مهى يحيى

انهيار كوكب الشرق

18/03/2009

نشكر دار النهار للسماح لنا بإعادة نشر هذا النص

(Extrait du livre “El Bourj” paru en 2000, © Editions Dar an-Nahar)


نفذ السهم المراش، وشاء القدر الغضوب أن ينهار كوكب الشرق الرابض في ساحة البرج الجسور، ساحة الشهداء والحرية ، مسرح اللهو والفرح، ميدان السرور الجامع للبانة الشباب وتسلية الشيوخ”. بهذه العبارات مهدت مجلة “اللطائف المصورة” (صاحبها محي الدين سعاده) لوصف سقوط المبنى القائم، منذ ١٩٠٢، على مدخل طريق الشام، والمملوك من جاك وفيليب تابت . وكان يقوم في المبنى، إلى جانب الفندق والمقهى الذين يحملان إسمه، ويستثمر الأول طنوس نجم والثاني أحمد الجاك، أحد أشهر مطاعم بيروت، مطعم أبو عفيف، ” ملك الحمص والفول”.

نحن في مطلع عام ١٩٣٤. المفوض السامي الجديد الكونت داميان دو مارتيل أعاد العام جزئياً بالدستور- المعطل منذ العام ١٩٣٢-، وعين حبيب باشا السعد رئيساً للجمهورية لمدة سنة واحدة- تنتهي في كانون الثاني ١٩٣٥-، ودعا إلى إنتخاب هيئة اشتراعية جديدة (جرت الإنتخابات في الشهر الأول من السنة، والثلوج تتساقط على المناطق الجبلية)، وإنضم إلى المنتخبين سبعة نواب معينون. وشكلت، اثر ذلك، حكومة من المدراء العامين عرفت ب” مجلس المديرين”.

وفي ١٤ اذار، وبينما ورشة أبو عفيف البرهومي تقوم بأعمال ترميم داخل مبنى “كوكب الشرق”، وذلك بعد الحصول على رخصة موقعة من مهندس الأبنية والمهندس العام والمحافظ رئيس البلدية سليم تقلا (٨/٢/١٩٣٤) هدم عامود أساسي فهوى المبنى وكانت “القرادة”:

مش معقول مش معقول
يهد الكوكب صحن الفول

لكن الامور لم تكن أبداً مضحكة، بل كانت مأسوية ومفجعة، إذ بلغ عدد القتلى الأربعين (منهم العواد اسكندر الشلفون الذي رثاه أمين نخله) وناهز عدد الجرحى الثمانية عشر. والجدير بالذكر أن جنازة أحد الوجهاء انقذت العديد من رواد المبنى والعاملين فيه بتغييبها اياهم عنه ساعة وقوع الكارثة.

أطلق إنهيار المبنى سلسلة من التساؤلات على الصعد كافة: الوجودية والإنسانية والمعمارية والسياسية والقضائية… تساءل الناس في الشارع، وعبر الصحف والمجلات، وفي الندوات، عن ذنب الذين قضوا (“فابك يا عدل أنفساً دون ذنب…”)، وعن المسؤول عن سقوط المبنى (هل هو البلدية أم القوانين أم منفذ الأعمال أم صاحب المطعم؟)، وعن السلطة المنوط بها تحديد المسؤوليات (هل هي الحكومة أم البرلمانً أم القضاء؟)، وعمن يتوجب عليه دفع التعويضات، وعن الهيئات الصالحة لتوزيع المساعدات على أهالي المنكوبين… وقام حسان الحوت (بايعاز من عبد القادر حمود، حسب مصادر الشرطة) بتقديم عريضة في ١٧ آذار تطالب بحل المجلس البلدي، ودعا المحامي جورج عقل في اليوم ذاته إلى مظاهرات سلمية للغاية ذاتها.

إلى التحركات الشعبية، المؤطرة أو الغير مؤطرة، أخذت القضية وجهات ثلاث: حكومية وبرلمانية سياسية وقضائية.

على الصعيد الحكومي، عين رئيس الجمهورية في ٢٤ آذار لجنة برئاسة صبحي أبو النصر (مدير عام الداخلية) وعضوية مدراء العدلية والنافعة والشرطة العامين والقومندان بيشكوف (مسؤول السلطات الفرنسية في جنوب لبنان). ألقت اللجنة، في تقريرها النهائي، مسؤولية إنهيار المبنى على ثغر أساسية في قوانين البناء، وخصوصاً المتعلقة منها بالأبنية العامة. لكن التقرير أشار ايضا إلى تقصير البلدية في معالجة مسألة قوانين البناء ومراقبة الأعمال على مدى السنوات العشر الماضية.

على الصعيد البرلماني، ما إن إفتتح المجلس دورة آذار في المكتبة الوطنية (بانتظار إكتمال المبنى الخاص به في ساحة النجمة) حتى شن اميل اده وايوب تابت وغبريال خباز حملة على محافظ بيروت وصديق خصمهم الشيخ بشارة الخوري طالبين كف يده على الفور واحالته إلى المحاكمة. تصدى لهم الشيخ بشارة وميشال زكور وارجئت المناقشة إلى أجل غير مسمى بانتظار التحقيقات الحكومية. ولا ريب أن الحملات النيابية والاعلامية (خصوصاً في “الأوريان”) على المحافظ واصدقائه ساهمت في تشكيل الكتلة الدستورية وفي تسريع قرارها بإيجاد صحيفة خاصة بها- تصدر بالفرنسية من أجل التأثير على المفوضية والمجتمع الحاكم- وحاملة لواء قضاياها (ولدت صحيفة “لوجور” بعد ذلك بأشهر قليلة، في آب ١٩٣٤). وغني عن القول إن الانتخابات الرئاسية التي كانت مقبلة ألقت بظلالها على الحملات والحملات المضادة.

أخيراً، على الصعيد القضائي، حكم على أبو عفيف بالسجن خمسة عشر شهراً، وعلى فرانسوا رزق متعهد الأعمال بستة أشهر. وكان للمحامية الآنسة نينا طراد (لاحقاً، زوجة شارل حلو مدير”لوجور” ثم السفير والوزير ورئيس الجمهورية عام ١٩٦٤) التي تولت وحدها الدفاع عن أبو عفيف دوراً كبيراً في تخفيف الأحكام بما اظهرته من “النبوغ” و”البلاغة” و”اللطف

0 Comments

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *