LEBANON ::

يوسف بزي

من ذكريات مقاتل

24/02/2009

كاتب وصحافي، لبنان

شتاء 1985 – 1986

مرّ شهر على ضجري المتورّم بين نوبات الحراسة وإبريق الشاي ورائحة الجوارب والإغطية العطنة في الثكنة الصغيرة ما بين فردان والحمرا.

البارحة ليلاً، خاضت قوات الحزب التقدمي الاشتراكي، تساندها الجبهة الشعبية (القيادة العامة) ومعها فصيل من الحزب السوري القومي الاجتماعي المتمركز في بيصور، هجوماً على سوق الغرب عبر محاور عدة. فشل الهجوم أمام شراسة اللواءين الخامس والثامن (وربما معهما المغاوير) في الجيش اللبناني.

في الصباح، طلبتُ الالتحاق بالمعركة طالما أن الحزب طلب متطوعين للحلول بدل المنسحبين المتعبين والمتقهقرين، والمنهارة معنوياتهم.

أخيراً تبدد ضجري، صاعداً من بيروت الى الجبل.

وصلنا الى بيصور مساءً. عتمة ملطّخة بشموع قليلة تضيء نوافذ متباعدة. الرهبة والصمت يستبدان بالبلدة. فيما سواد الأحراش والجبال المظلمة يطبقان الغشاوة على البصر ويشيعان الرجفة في البدن. إلتماعات بعيدة ودمدمة عميقة لقذائف متقطعة ورشقات من أسلحة متوسطة، فيما نحن نحمّل صناديق الذخيرة والأعتدة وكيس السندويشات وغالونات الماء في شاحنة البيك- آب المثبّت عليها رشاش “الدوشكا” البديع كمنحوتة معدنية سوداء وباردة، توحي بالثقة والصلابة.

عبر طريق وعرة وترابية وصلنا الى كيفون. بلدة مدمرة لأكثر من مرة. كأن البيت الواحد وقد استحال مدمراً سرعان ما يتعرض للتدمير مرة ثانية وثالثة. هكذا كنت أستطيع أن أرى مثلاً الخرسانة الصدئة فأقول أن دمارها قديم، فيما الجدار المقصوف الذي ما زال مكتسياً الغبار الباطوني فيظهر أنه انهدم للتو. المنزل القديم المنزوي خلف منزلين كبيرين وعاليين هو وحده الذي ما زال سليماً في كل البلدة، وهو الذي استحال قاعدة للمقاتلين عند محور كيفون. المدفأة (الصوبة) تتوسط الغرفة الكبيرة، المشبعة برائحة المازوت والأسلحة والجوارب وبقايا المعلبات، خصوصاً السردين منها، والذين أنهوا نوبتهم أراهم متمددين غافين بكامل بدلاتهم العسكرية، فيما الآمر العسكري يحمل قضيباً حديدياً رفيعاً يحفر به الثلم الضئيل ما بين البلاطات كعمل تخريبي بطيء وغير مرئي.

“ستذهب الى محور قصر عساف… الشباب سيحاولون الليلة سحب الشهداء من هناك”. قال لي الآمر من دون أن يتوقف عن الحفر. “خذ معك البطانية” أضاف مستدركاً وهو يتفحص من بعيد جعبتي ورشاشي وقبعتي الصوف الخضراء الممتلئة بقشرة الرأس والمتخمرة بوسخ الشعر.

الهواء البارد يجعل عظام ركبتيّ تطقطق، فيما جلد وجهي يتجفف باثاً الألم في جسمي كأني أتعرض لألف إبرة تنغرز فيّ بإيقاع متواتر. أدخل الى الخندق الطويل الذي سيوصلني الى المكمن المموه الذي يقع مباشرة تحت تلة 888 الشهيرة، ويقابل الأرض الجرداء التي في نهايتها بقايا قصر عساف، حيث “العدو” (الجيش اللبناني).

عليّ أن أتكور تحت البطانية لأشعل سيجارة، عليّ أن أهمس في أذن رفيقي، عليّ أن أنتبه بعينين مفتوحتين يعذبهما البرد لأدنى حركة أو ظل في هذه الظلمة.. ولا نأمة. وأستطيع أن أسمع حتى وريقات التبغ وهي تشتعل في سيجارتي. يهمس رفيقي: “15 شهيداً قدّامك” مشيراً الى الأرض الجرداء الممتدة أمامي. رحت أمعن النظر في التضاريس الضئيلة السوداء متخيلاً الجثث المتوزعة على التراب وما بين الصخور، ثم تخيّلت الأموات كأنهم على وشك النهوض عائدين زحفاً إلينا، متذكراً تلك المرة التي كنت فيها رابضاً في أحراش جبل الباروك حارساً مخيم التدريب، فتخيّلت عروساً بفستانها الأبيض تتجول في قلب الغابة في الثالثة فجراً.

إنشفط الهواء من حفرتنا وسفعنا الغبار الترابي وانصمّتْ آذاننا وارتج قلبي بعنف. إذ باغتتنا في عزّ الصمت والهدوء والبرد والعتمة الدامسة قذيفة مباشرة سقطت قربنا. الرشاشات الثقيلة بدأت رماياتها على كل محيطنا، فيما كنا نرى أن مدفعيتنا بدورها بدأت العمل. تباً، إنتبه الجيش لمجموعات يبدو أنها تتسلل من يميننا ويسارنا الى حيث يرقد الموتى في محاولة لسحبهم. لم ينتبهوا الى ضرورة إشعارنا بالعملية.

فشل التسلل، وقضينا الليل نطلق النار من دون هدف واضح. وهم أيضاً أمطروا خط التماس عشوائياً بكل ما لديهم. وتحت ضوء القصف المدفعي المتبادل والقنابل المضيئة، التي تتلوى في الريح، كنت أرى أطياف الأجساد المنطرحة هنا وهناك كأنها نبتٌ وحشيّ في أرض جحيمية.

في الخامسة فجراً، وصل المقاتلون البدلاء. مع ذلك لم أنسحب، متحججاً بشرب القهوة التي أحضروها معهم. كنت أنتظر الضوء لا لأرى جثث الشبان فحسب، بل لأنني شعرت إنني ما عدت قادراً على احتمال العتمة، وما كان بمقدوري التنفس أو السير فيها.

عندما استيقظت ظهراً كان ثمة هدنة، وعلمت أنه تم الاتفاق مع الجيش اللبناني أن يسحب الصليب الأحمر جثامين الشهداء بمعاونة من ضباط الجيش، الذين طلبوا ضمانات كي يتقدموا في الأرض المكشوفة مع طواقم الإسعاف، إذ هم وحدهم من يعرف توزع الألغام المزروعة في محيط قصر عساف. تجولت في القرية، باحثاً بلا جدوى عن حمام نظيف ما زال قائماً في هذا الدمار. أخيراً، فعلتها في وسط غرفة بدت لي أنها غرفة أطفال. أقول لنفسي: “هذه هي الحرب… التغوط في غرف النوم”.

أصعد الى التلة إلى محور “راس الجبل”، حيث مربض الرشاش الثقيل، حاملاً معي علبة حلاوة طحينية وربطة خبز. أجد الشباب يأكلون السردين ويشربون العرق وفي يد كل منهم حبة بندورة يقضمونها لتنفزر بين أفواههم وأصابعهم وتنز بسائلها الأحمر على ذقونهم وأكمامهم. أقف وراء الرشاش: “فيّي جرّب؟” فيجاوبني أحدهم “أضرب رشق واحد على الوادي” فأفعل. أوه، شعور رائع بـ”القذف”.

بعد الظهر، أتسلل هارباً بسيارة “جيب” للقيادة العامة الى بيصور، ومن هناك أستقل سيارة أجرة عائداً الى مركزي في بيروت، أبلغهم ضاحكاً عبر اللاسلكي أني غادرت: “عمّ بفتّش ع دجاجة تا إلعب بفخاذها”.

عقاباً لي، أرسلوني الى أعالي المتن، الى قرية العيرون. هناك، داخل الفيلاّ المحصنة مقابل طريق “الدوّار”، كمنت مع شاب طرابلسي ضخم الجثة، قبضاي حقيقي، ويبدو أنه مقاتل متمرس. أخبرته بما جرى. ضحك حتى الإغماء، ليعترف لي أنه جندي لبناني من اللواء الخامس هرب من سوق الغرب والتحق بميليشيا الحزب منذ أسبوع، راوياً لي المعركة التي قتلوا فيها 15 شاباً أتوا من جهة كيفون

0 Comments

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *