LEBANON ::

تراز دحدح

أبو عسّا ف وأم عسّا ف

14/02/2009

لبنان

صورة بالأسود والأبيض علّقتُها على مدخل غرفة نومي، ألتفت اليها بعد تعب يوميّ علّني أسرق منها لحظات أيام مرّت عليّ خفيفة، فتسري في عروقي خدراً يساعدني على النوم بعد أن صار (النوم) مشروع جردة حساب يوميّة لعمر قضيتُه… وشبه انتهى.

وجها جدّي وجدّتي في هذه الصورة فيهما الكثير من الهدوء والتسليم، وهذا ما أتدرّب عليه كلّ يوم وأفشل في أغلب الأوقات… تربّينا على الاجتهاد ومواجهة الظروف لنبني لأنفسنا ولأولادنا مكاناً لائقاً في هذه الحياة الدّنيا، ونرضي ربّنا فتكون حياة الآخرة أيضاً لائقة !… تعبتُ من هذه المسألة وإني الآن أحلم بزمن يسري ناعماً بطيئاً… أيامه تبدأ قبل شروق الشمس وتنتهي عند هبوط الليل، لكلّ يوم مهمّته الثابتة ولكلّ وقت من النهار أعماله الثابتة أيضاً، على مدار السنة… أتوق الى الرتابة، الى إيقاع يأخذني دون تمرّد او إعتراض.

المساحة التي يجلس فيها جدي وجدتي هي جزء من المساحة الخارجية المشتركة بين بيت جدي وبيت أهلي، ويصحّ القول بين غرفة أهلي وغرفة بيت جدي. هنالك كانت نساء الحارة يجتمعنَ لينقّينَ القمح حيث تُفرش الحصيرة النظيفة على الأرض، توضع فوقها طاولة الأكل وهي واطئة وطويلة، تتحلّق حولها النسوة بعد أن يتحفّينَ ويلبسنَ الجوارب النظيفة. يُفرَّغ القمح على الطاولة من الشوالات فتبدأ النسوة بتسقيط القمح المنقّى على الأرض وتُوضَع الأوساخ في صحون نحاسيّة موزَّعة على الطاولة فوق القمح. يتكدّس القمح فيغمر شيئاً فشيئاً أقدام النسوة، ليأتي من يجمعه من جديد في شوالات تحضيراً لسلقه في البراميل الكبيرة. مشهد عمره عقود من الزمن، في كلّ مرة يأتيني، يسحرني فيه اختلاط القمح بأجساد النساء والهدوء الجميل الذي كان يسود في حضور القمح.

هذه المساحة نفسها التي تشكّل اليوم غرفة الجلوس في بيت أخي كانت تشهد الكثير من الجمعات النسويّة، من تحضير الـ”معكرون بسكّر” في عيد الغطاس الى ورشة “العوامات” في الجمعة الحزينة، الى جمعنا على طاولة الأكل في الأيام الدافئة مع جدي وجدتي، حيث كان الأكل يوزَّع في صحون مشتركة، كلّ واحد يغرف منها حاجته، وحيث كانت جدتي تضع الى جانبها سطل الماء مع كاسة نشرب فيها جميعنا وتلزمنا على السكوت أثناء الأكل “لأنّ الملائكة تكون حاضرة”.

كان “المقدّس” حاضراً في بيتنا… قبل أن نتعرّف عليه في الكنيسة وعبر الصلوات.

أذكر يوماً كان جدي يجلس كما هو في الصورة، أتاه زائر وسأله ” يا أبو عسّاف، ألستَ خائفاً من الموت؟” أجابه مبتسماً ” ولماذا أخاف ؟… إن كنتَ أنت خائفاً فهذا يعني أنك خائف من جهنّم”

0 Comments

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *